ابن قيم الجوزية

116

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

والصحيح أن نصيبهم من الكتاب يتناول الأمرين ، فهو نصيبهم من الشقاوة ، ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها ، ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة اكتسابها ، ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك ، فعمت الآية هذا النصيب كله ، وذكر هؤلاء بعضه وهؤلاء بعضه . هذا على القول الصحيح ، وأن المراد ما سبق لهم في أم الكتاب . وقالت طائفة : المراد بالكتاب القرآن . قال الزجاج : معنى نصيبهم من الكتاب ، ما أخبر اللّه من جزائهم نحو قوله : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) [ الليل ] وقوله : يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً ( 17 ) [ الجن ] قال أرباب هذا القول : وهذا هو الظاهر ، لأنه ذكر عذابهم في القرآن في مواضع ، ثم أخبر أنه ينالهم نصيبهم منه . والصحيح القول الأول ، وهو نصيبهم الذي كتب لهم أن ينالوه قبل أن يخلقوا ، ولهذا القول وجه حسن ، وهو أنّ نصيب المؤمنين منه الرحمة والسعادة ، ونصيب هؤلاء منه العذاب والشقاء ، فنصيب كل فريق منه ما اختاروه لأنفسهم ، وآثروه على غيره ، كما أن حظ المؤمنين منه كان الهدى والرحمة ، فحظ هؤلاء منه الضلال والخيبة ، فكان حظهم من هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة عليهم . وقريب من هذا قوله وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ( 82 ) [ الواقعة ] أي : تجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به قال الحسن : تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون . قال : وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب اللّه إلا التكذيب به وقال تعالى وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ( 52 ) [ القمر ] . قال عطاء وقاتل : كل شيء فعلوه مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ . وروى حماد بن زيد ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي : وكل شيء فعلوه في الزبر قال : كتب عليهم قبل أن يعملوه ، وقالت طائفة : المعنى أنه يحصي عليهم في كتب أعمالهم .